آخر تحديث: 21 / 6 / 2024م - 1:01 ص

كرامة الإنسان في التراث

أمير بوخمسين

كرامة الإنسان من أهم الحقوق الإنسانية، التي تلتقي حولها جميع الحضارات والأديان السماوية، فلا حياة مع القهر والظلم، ووأد الحرية وإضاعة الكرامة.

الدخول إلى التراث الإنساني لموضوع الكرامة يتطلب فريقًا من الباحثين، لذلك سأكتفي بتراثنا العربي ومن خلال نصوص في العهد الإسلامي الأول، منها ما ذكر في القرآن الكريم، والسنّة النبويّة.

فقد وردت الكثير من الآيات القرآنية التي بينّت تفضيل الإنسان على غيره من الكائنات، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا الإسراء، آية 70، حيث جعل الله وجود الإنسان ذا قيمة، وكرّمه وخصّه من بين الموجودات الكونية بالعقل. أي ميزّه عن غيره في جميع الصفات والأحوال التي توجد بينها، والأعمال التي يأتي بها، فبنو آدم مكرمون بما خصهم الله به، من بين سائر الموجودات الكونية، وهم الذين يمتازون عن غيرهم بالعقل الذي يعرفون ويميزون به الحق من الباطل، والخير من الشر، والحسن من القبح، والنافع من الضار، والصالح من الفاسد.

يذكر بضع المفسرين، أن الله كرم هذا المخلوق البشري على كثير من خلقه، كرمه بخلقته على تلك الهيئة، بهذه الفطرة التي تجمع بين المادة والروح، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان، وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته والتي استهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج فيها، وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض، وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك، فهذه في الصفة الأول التي بها كان الإنسان إنسانًا، قيّمًا على نفسه، محتملا تبعة اتجاهه وعمله، فمن العدل أن يلقى جزاء تجاهه وثمرة عمله، وفي آية أخرى خصّ القرآن ابن آدم «الإنسان» بمنزلة واضحة عندما أمر الملائكة بأن تقع له ساجدة، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ الحجر، آية 29.

وفي خطبة الوداع، حيث أكد الرسول ﷺ على هذه الكرامة بقوله: «يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود، فضل إلا بالتقوى»، هذه الخطبة يمكن وصفها بأنها أول إعلان عالمي بالمساواة، وأول وثيقة لحقوق الإنسان في التاريخ.

ويقول الإمام علي: «فإن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، حيث يؤكد قيمة حضارية في التعامل مع بني البشر، سواء مع المسلم أو غير المسلم، فليس بالضرورة أن تلتقي مع إنسان في أيديولوجية واحدة أو دين واحد، بل يكفي أنه إنسان شبيه لك في الخلق.

فنظرة النموذج الإسلامي إلى الإنسان، «هي نظرة إلى التكريم الذي وضعه الله فيه، أي نظرة إلى الجانب الاجتماعي، فالتقويم الإسلامي يضفي على الإنسان شيئًا من القداسة، ترفع قيمته فوق كل قيمة تعطيها له النماذج المدنية» كما يقول مالك بن نبي.

ويُنقَل أن الإمام علي خطب قائلا: «أيها الناس! ان آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وأن الناس كلهم أحرار، ولكن الله خوّل بعضكم بعضا، فمن كان له بلاء فصبر في الخير، فلا يمنّ به على الله»، فمبدأ الكرامة أصيل في تراثنا الإسلامي.