آخر تحديث: 19 / 6 / 2024م - 9:01 م

ضمن فعاليات مجموعة ”آراء وأصداء الثقافية“..

حوراء الهميلي: الشعر أكسبني عائلة.. وجعلني أكتشف الآخر

جهات الإخبارية رباب النمر - سهام البوشجاع

استضافت مجموعة آراء وأصداء الثقافية، الشاعرة المتألقة حوراء الهميلي، عبر منصة ”زووم“ الافتراضية في أمسية عنوانها ”حوراء والضوء، مسيرة الظمأ“، في حوار شائق أنيق تظلله القوافي، وتنتثر بين أغصانه بلابل النقد، حاورتها القاصة أمينة الحسن.

قراءة انطباعية

وقدم الناقد كاظم الخليفة قراءة انطباعية لديوان الشاعرة حوراء الهميلي ”ظمأ أزرق“، عنوانها ”بنان خضبه الشعر“، ووصف الديوان بذكاء كاتبته، وأنه جسد شخصيتها الأنثوية في كثير من قصائده.

أنثوية طاغية

وقال عن مجموعته الأولى: إنها اتسمت بالأنثوية الطاغية، كالجرأة في الإفصاح عن المشاعر أكثر من الرجل، وقال: إن ”الحب“ في مجموعته الثانية جاء حاضرًا كقيمة إنسانية أصيلة متشحًا بردائه، وهذا خلاف ما قاله سيمون دي بوفوار: ”إن النساء يحلمن من خلال أحلام الرجال“.

فلسفة وجودية

أما عن المجموعة الثالثة في الديوان، فقد نقدها ”الخليفة“ بأنها مجموعة طغت فيها الفلسفة الوجودية والاشتباك مع قضاياه من خلال محوري الموت والقدر، مشيرًا إلى أن نصوص الديوان تعطي ملمحًا لسمات الشعر السعودي المعاصر من حيث بروز الأنا الأنثوية الخالصة، مقابل هاجس الذكورية والتباسها في شعر المرأة، وأيضًا الالتزام بوحدة الموضوع في النص الشعري، وأن الذات القلقة والمتفاعلة مع الوجود لها حضور كبير.

بعد ذلك بدأت الحسن رحلة السؤال مع الهميلي، كالتالي:

- كيف جاءت فكرة المشاركة في ”أمير الشعراء“؟

قد يستميت البعض للمشاركة في برنامج أمير الشعراء، ولكن لم تخطر ببالي أبدًا مثل هذه المشاركة، ولولا إلحاح بعض الزملاء من الشعراء، مع شعوري بالذعر والرهبة من هذا الموضوع.

واعتقدت أن المشاركة هذا العام ستكون عن بُعد فلن أخسر شيئًا، فشاركت كضربة الحظ وأرسلت النصوص بشكل عشوائي، وكنت خائفة جدًا.

- هل شعرت بالخوف قبيل المشاركة؟

قبل البث المباشر كانت هناك بعض الاختبارات، وكنت أتمنى في كل خطوة أن ينسوني، حيث كنت خائفة من مواجهة اللجنة والجمهور، ومن الوقوع في الحرج في البث المباشر، ومن الارتجال. كل هذه كانت هواجس، ولكن تورطت! فما كان أمامي غير إكمال التجربة التي كانت متميزة وصعبة ولاسيما أن هذا الموسم كان استثنائيًا بسبب الظروف المحيطة، ففي المواسم السابقة كان الشاعر يقدم قصيدته ثم يعود إلى بيته، ويعود مسافرًا مع موعد حلقته القادمة، ولكن في هذا الموسم كان الشرط هو البقاء لمدة ثلاثة أشهر في الإمارات ثم نغادر المسابقة نهائيًا أو نكمل حسب ظروف المسابقة.

- وماذا كانت أبرز التحديات أمامك؟

كان التحدي يكمن في البقاء بعيدًا عن الأسرة والأطفال، وفي جو تنافسي صعب، والتجربة كانت مميزة واستثنائية وتعمل على إنضاج الشاعر شعريًّا وأدبيًا وإنسانيًا، وبالمصادفة أن يكون توقيت هذا اللقاء هو توقيت أمير الشعراء، فبعد ليلتين بالضبط كانت أولى مشاركاتي بالبرنامج.

- كيف كانت أول تجربة دخول على اللجنة في الإستوديو؟

كان برنامجنا للاستعداد طويًلا ومتعبًا. فقد كنا نذهب إلى المسرح تمام الواحدة ظهرًا ولا نعود إلا في وقت متأخر جدًا بعد منتصف الليل، وننتقل بين مهمات البروفات واللقاءات والتصوير والاستعداد، كان الجو متوترًا.

- وماذا عن حالتك خلال اللقاء؟

كانت أنفاسي تتسارع من فرط الخوف لما كان الدخول الأول على اللجنة، لذلك لم أكن أركز على اللجنة بل أتوهم بأني ألقي النص على الجمهور، فالمقاعد كانت خالية بسبب جائحة كورونا، فلم يكن يسمح بحضور جماهيري.

مع دخولي الأول كانت أعين أعضاء اللجنة تفيض فخرًا ومحبة وقد تلمست ذلك منذ البداية، لذلك كان الدخول جيد جدًا، وقد أحبت اللجنة تجربتي ودخولي.

- ما هي أبرز التحديات التي واجهتك أثناء مشاركتكِ؟

يكمن التحدي في أن الوقت كان محدودًا، وكل الشعراء يحكمهم هذا الظرف. ففي المراحل الأولى كانت مواضيع القصيدة اختيارية، ويحدد فقط عدد الأبيات 14 بيتًا، وفي المرحلة الثانية عشرة أبيات، وفي المرحلة الثالثة ثمانية أبيات.. وهكذا.

وكلما قل عدد الأبيات كبر التحدي حيث اختزال الفكرة المطلوبة في عدد قليل من الأبيات حسب الضوابط.

- حديثنا عن نصوصك.

في البداية كانت نصوصي المشاركة مكتوبة سابقًا ”المرحلتان الأولى والثانية“ وفي المرحلتين الثالثة والرابعة كانت هناك شروط محددة بالنسبة للموضوع، فكان المشاركون مضطرين للكتابة، وكان التحدي يكمن في كوننا تحت ضغط هائل وسننتج نصًا يليق بذواتنا وبالجمهور واللجنة وبالحضور.

- وكيف كان يوم العرض؟

كان يوم عرض الحلقة هو الثلاثاء، ويومي الأربعاء والخميس تصوير، والجمعة فراغ، وينبغي يوم السبت تسليم عنوان القصيدة وموضوعها ومضمونها وأبياتها، ويوم الأحد موعد تسليم القصيدة، فالأيام معدودة، مع شعور المشترك بتمثيله للآخرين مما يحمله الكثير من المسؤولية وشعوره بهاجس تحقيق الكمال والمثالية في كل التفاصيل: الظهور والإطلالة والإلقاء وموضوع القصيدة.

وأصبت بالقولون من فرط القلق، ودخلت إلى المستشفى، وتنتظرني حلقة في الغد، وأنا مطالبة بالتصوير. كنا نعيش في دوامة من القلق وننتظر بفارغ الصبر متى ننتهي، ولكننا نستمتع الآن عندما نتذكر أيام التحدي.

النقطة المتميزة أننا نكتشف أنفسنا وأدواتنا تحت هذه الظروف الضاغطة، لقد شعرت بقدرتي رغم ظروف البعد والاغتراب وغياب الأهل. ولما نصل إلى المحك نكتشف الأدوات الخفية التي لم نكن نعرفها سابقًا عن أنفسنا.

- ما أقرب القصائد إلى قلبك بالبرنامج؟

أثناء فترات الضغط عادة لا يرضى المبدع عما يكتب، لأن الكتابة تكون مريحة عندما لا تُقيد بوقت، وأقرب قصيدة إلى قلبي شاركت بها في البرنامج هي القصيدة الأولى وكانت تمثلني، وتمثل فتيات العالم الإسلامي وتمسهم. هذا ما استنتجته من خلال الرسائل التي وصلتني منهن، ولذلك شعرت بأن هذه القصيدة موفقة إلى أبعد حد.

- هل كنت تحرصين على متابعة ردود الأفعال؟

كنت أحرص على المتابعة بحدود، وفي بعض الأوقات كنت أغلق جوالي حتى أتفرغ لأداء مهمتي، زكانت رحلة أمير الشعراء لبعض الزملاء رحلة استجمام، فخرجوا واستمتعوا باكتشاف المنطقة.

وقد حاولت أن أعيش هذه الأجواء، ولكن كان ضغط المسابقة وشعوري

حيالها كان غالبًا، ولذا كنت أتابع مع ضبط الأمور حتى لا تجرفني المتابعة من جو المسابقة. ولما عدت إلى الوطن كانت مئات الرسائل عبر برامج التواصل تنتظرني. وحرصت حسب قدرتي الرد عليها حرصًا على حب جمهوري، فالمسابقة ظرف ينتهي. أما كسب محبة الجمهور وشعورهم تجاه المبدع فذا باقٍ، فالشعر أكسبني عائلة، وجعلني أكتشف الآخر.

- ما الذي علق بذاكرتك من البرنامج؟

شيئان عالقان بالذاكرة، الأول: أن الشعر أكسبني عائلة حيث عشنا معًا شهرين والبعض ثلاثة أشهر بسبب ظروف التصاريح ومنع السفر، وفي هذه الفترة كنا نعيش الأجواء ذاتها وكان كل منهم يحمل الخوف على الآخر، وكل منهم يطمئن الآخر قبل أن يتواجد بالمسرح على الرغم من كون الآخر منافسًا. كنا ندعم بعضنا البعض.

والثاني: أتاحت لي هذه التجربة اكتشاف الآخر لكوننا ننتمي إلى دول وحضارات مختلفة، نكتشف الحس الإنساني في كل شخص من خلال قصائدهم وبيئاتهم وثقافاتهم وفلسفاتهم تجاه الحياة.

ومن الاكتشافات الجميلة الشعور بالنعمة، فالبعض محروم من أبسط الأشياء ومع ذلك يحاول أن يسعى ويجاهد ويثبت نفسه ويمثل وطنه بأفضل صورة.

- ما الذي تغير في حوراء بعد أمير الشعراء؟

أصبحت أكثر تأنيًا وحذرًا وانتباه، لزيادة الإحساس بالمسؤولية وبعيون الرقباء التي ازداد تركيزها.

قبل أمير الشعراء كنت أتمتع بالحرية في النشر وفي الظهور أو عدمه، ولكن هذه المسؤولية جميلة أحب الحافظة عليها وأتخير متى يكون ظهوري وأين، ومتى أنشر.

- هل من خطط جديدة بعد أمير الشعراء؟

لا أعتقد أن يتكرر البرنامج، وأحب أن أحافظ على الصورة التي كونتها من خلاله، فعندما تكون التجارب وحيدة تكون منفردة، فليس من خططي المشاركة في مسابقات تماثله، ولكن من الممكن المشاركة في مسابقات قادمة.

- هل تغيرت الصورة النمطية للمرأة السعودية؟

عندما نتتبع وضع المرأة في العالم نجد المرأة عانت من بعض الأمور لتي واجهتها على مر التاريخ بدأً بحقها في التعليم والانتخاب، أو أن تتقلد مناصب مهمة في المنطقة، فلم تكن المرأة بمعزل عن هذه التحولات، ولكن المعايير تختلف من مجتمع لآخر وكذلك بعض التحفظات، ومجتمعنا محافظ يحرص على ظهور صورة المرأة بالشكل المتزن، وربما كانت تجربتي في أمير الشعراء تمثل هذه الصورة إلى حد كبير. إن التطور والانفتاح في مجتمعنا يجعل الكثير يخاف من الانفتاح، وظهور المرأة وتمكنها. ولكن أعتقد أنه لا مكان للخوف الذي كانت له أسباب عدة منها ظهور بعض النماذج التي لا تمثل المجتمع أو يشعر المجتمع بتماديها وانفتاحها بشكل كبير، ولذا يعد خوف المجتمع طبيعيًا، والتطور طبيعي لأن الثابت الوحيد في العالم هو التحول الذي لا بد أن نتقبله، ولكن بروح متأنية وخطوات ذكية.

بالنسبة لي شخصيًا أحاول أن لا أتمرد على المجتمع، ولكن أسير بخطوات مدروسة وواثقة ومتأنية حتى أكسب رضا المجتمع ولا أفقد ذاتي، فالبعض يفقد ذاته لإرضاء الآخر، والبعض يفقد الآخر لآرضاء ذاته، فالتوازن مطلوب في مثل هذه المراحل.

وقفة شعرية

لغزٌ مُفرَغٌ بانزياحٍ كوني

هل ثَمَّ مُتَّسَعٌ لجرحٍ ثانِ؟

ما الفرقُ

إنْ ناديتُ أو ناداني؟

مفتونةٌ بالغيبِ

يرقصُ في دمي متصوِّفًا

في رحلةِ العرفانِ

عمَّدتُ أسئلتي الوليدةَ

ريثما

تَسَعُ الحقيقة وحشة الأكفانِ

وصلبتُ أوهامَ الشكوكِ

فخِلْتُني قديسةً

في منحرِ الرهبانِ!

ما للحقيقةِ غيرُ لونٍ واحدٍ

فعلام فاضتْ جَرَّةُ الألوانِ؟....

- هل حاولت تقديم صورة لهذه المرأة الجديدة؟ *

هناك مقولة ”كن أنت التغيير الذي تنتظره وتسعى إليه فيمن حولك، أو تريد أن تراه في الآخرين“، ربما كنت أحمل هاجسًا في اللاوعي وهو أن أمثل صوت الشريحة الكبرى من النساء اللواتي لم تتح لهن الفرص أن يكتبن بأسمائهن، ولكن لم يكن هاجسًا مسيطرًا بل كنت أسعى لتحقيق ذاتي لأن أكون مختلفة. منذ الصغر لم أعِ هذا الشعور ولكن كنت أسعى إليه، وربما كان هاجس تكوين صورة المرأة الجديدة دون وعي.

- ما أهمية تواجد المرأة على منصات المسابقات الشعرية؟

المرأة السعودية عامة والأحسائية خاصة تحمل إرثًا ثقافيًا وحضاريًا لم يظهر للآخر بشكل واضح وكبير، ومع هذا الانفتاح ووجود هذه المنصات أصبحت المرأة قادرة على الترويج لموهبتها وإبداعها. فمن المهم أن نعكس صورنا وهويتنا وحضارتنا للآخر.

صارحني زملائي في أمير الشعراء بخوفهم من السلام عليّ في أول لقاء أو إلقاء التحية أو نبادر بالكلام فقد ظننا أن المرأة السعودية متزمتة ومنغلقة على ذاتها لا تحاور ولا تناقش ولا تختلط بالآخرين، فكانت صورة مفاجئة بالنسبة لهم أن حوراء شخصية لطيفة، وهكذا عكست صورة حسنة في البرنامج وهي أن المرأة السعودية تحمل وجوهًا كثيرة وتستطيع أن تندمج مع المحيط، وأن تتحدى وتنافس وتثبت جدارتها، وكانت هذه الأمور طيبة ومؤثرة.

- لمن تقرئين الشعر من العرب وسواهم؟

ليست هناك قراءات معينة للشعر ولسواه، لابد أن تكون المعرفة شاملة وتلاقحية.

وفي هذه الفترة أحاول التركيز على قراءة الشعر المترجم والانفتاح على الآخر بشكل كبير، مثل الشعر الإسباني والأدب اللاتيني والفيتنامي والكوري. وقد أنهيت كتاب للشعراء الأسبان واكتشفت كيف تحمل الأندلس في زوايا أشعارهم الحنين للوطن المهجور. كانت الشاعرة «روساليا ديكاسترو» - من القرن التاسع عشر - تحمل هموم المرأة وعندما نقرأ أشعارها نتحسس مواطن الألم المشترك للشاعرات، وفي مقطوعة لها تقول:

«أيها القديس أنطونيو المبارك هب لي زوجًا فإن المرأة بلا زوج هي عيد بلا حنطة وجسد بلا روح»

هي تمثل نظرة المجتمع للمرأة غير المتزوجة. ولا غرابة أن تمر النساء جميعهن في العالم بالتجارب نفسها مع اختلاف المعايير. ولذا من الجيد أن نقرأ للآخر.

وقرات للشاعر البرتغالي «فيرناندو بيسوا» وكانت لديه نظرة مهمة للحياة بسيطة ولكنها عميقة جدًا، يقول:

ليس طموحي أن أكون شاعرًا، هي طريقتي في أن أكون وحيدًا. وكان يتحدث عن علاقته بالأشياء «عندما أفكر أفكر بفمي ويدي وأذني. عندما أفكر بالوردة أنا أستنشق عبيرها، وعندما أفكر بالثمرة فأنا أتذوقها»

هذه الحساسية مع الأشياء واللغة والموجودات والطبيعة لا نستطيع أن نستشفها عندما نقرأ فقط لمن هم في محيطنا نفسه. فلا بد أن ننفتح على الآخر، ولذلك أشعر بشعور عميق أن قراءتنا وانفتاحنا على تجارب الآخرين تثرينا.

- هل تحرصين على متابعة التجارب الشعرية المحلية؟

أحاول متابعة النتاج العام وآن كنت في بعض الأوقات أتوارى وأكون مقلة في المتابعة والتفاعل، ولكن بشكل عام أحرص على قراءة ما يُكتب، وأهم الموضوعات المطروحة التي تثير اهتمام الشاعر.

- ماذا عن النزعة الوجودية في قصائدك؟

الفلسفة تمنطق العالم والتساؤلات، والفيلسوف يرفض بدهيات العالم ويسكن في داخله طفل يحافظ على هذه الدهشة في اكتشاف الأشياء، ومن وظائف الشعر أن يكون مسكونًا بالدهشة والتساؤل والاكتشاف.

في مرحلة من مراحل تجربتي الشعرية كنت أجد الشعر أداة سؤال، والفلسفة هي المفتاح الذي يؤهلني لاكتشاف نفسي وما حولي من خلال الفلسفة شعرًا لأن علاقة الشعر بالفلسفة وثيقة جدًا ة، والشعر أداة بحث وانكشاف على الذات وعلى الآخر، وقد يكون أداة تطبيب للجروح. والشعر مساحة حرة للتجريب والمبدع لا يكون محصورًا في منطقة معينة بل يحاول أن يخرج. قد أحمل تساؤلات غيبية أو وجودية في فترة، وقد أطرق موضوعات أخرى.

- كيف وصلت المرأة المبدعة إلى هنا.. ولا سيما حوراء؟

الركيزة الرئيسة هي إيماننا بذاتنا وأن لدي شيئًا أريد أن يظهر وان يكون مؤثرًا في هذا المجال وأن تؤمن بما تستطيع أن تقدمه.

البعض ينتظر الدعم من الأهل والمجتمع والمصفقين والمهتمين، وهذا الانتظار لا يفيد. فعندما أتمكن من الوقوف على رجليّ وتمثيل شيء حقيقي وفعلي، فسيُلتفت لهذه الموهبة.

منذ الصغر لدي شعور بأني سأصبح شيئًا مهمًا في المجتمع، وأزعم أنني حققت جزءًا بسيطًا، كنت أرى في نفسي المشاركة في محافل دولية وأماسي عالمية في عالم الخيال، وعندما نتخيل فنحن نسعى إلى ما تخيلناه.

الشعر: أنثوي وذكوري

- هل الشعر أنثوي أم ذكوري؟

الشعر لا يؤطر وليس له جنسية أو هوية، فهو منطقة حرة للاكتشاف، ولكن بالنسبة لي، شخصيّا أحب أن تحمل قصائدي صوت الأنثى لأنها عالم متسع من العواطف والمشاعر فهي أم وأخت وزوجة، وتستطيع أن تسكب هذه المشاعر في قصيدتها.

للأسف بعض الشاعرات والكاتبات يتكلمن بصوت ذكوري، وللأنثى أدواتها، حتى اللغة لم تقصر في آعطائنا الهوية، ولذا أحب أن تكون الأنثى شاعرة موجودة في القصيدة، ولكن لا أومن بتصنيف الشعر إلى نسائي ورجالي وفحولة الشعر للرجل. فالمبدع سيبدع في أي مجال.، والبعض يرى أن الشعر العمودي أكثر مناسبة للرجال لأنه فحولي. ولكني بعيدا عن الجدال فندت الكثير من هذه النظرية، فالشعر العمودي لا يليق فقط بالرجل، فقد كتبت شعرا عموديا وتمكنت منه، وليس من فرق بين الشعر النسوي أو الذكوري.

وعلق كاظم: تصنيف الشعر إلى ذكوري وأنثوي مشحون بتراكمات تاريخية سابقة، وعنذ الرجوع إلى حركات المرأة من النسوية وما بعد النسوية بالموجة الأمريكية الأولى والثانية والثالثة نجد تحولات، حيث كانت المرأة تحاكي الرجل كما أشارت سيمون دي بوفوار أن المرأة تحلم بحلم الرجل، بمعنى أنها تتبنى المقولات الذكورية والمفاهيم الذكورية أكثر مما تعي ذاتها كأنثى. ولو ألقينا نظرة على ما قالته الشاعرة الرائدة فوزية أبو خالد قبل ثلاثين عامًا، وحتى نصل إلى حوراء الهميلي، فهذه الأجيال الثلاثة فصلت ما بين الشعر النسوي بمعنى أن المرأة تحاول أن تعبر عن ذاتها ومهمومة بأن تكون موجودة في الساحة، وتشير إلى الحاجات التي تنضوي تحت مفهوم الأنا، بينما نجد حوراء مرتاحة جدا تتحدث كأنثى، وهذا هو المطلوب. فليس المطلوب أن يكون هناك خطاب أنثوي، ولكن أن تعبر عن ذاتها كأنثى.

- بحكم عملك بالكيمياء هل يمكنك تقديم مشاعر المنتسبين للعلم؟

المعرفة شمولية وتلاقحية وغير اختصاصية، علاقتي بالشعر والكيمياء تكاملية، وفي نصوص سابقة تطرقت للعلوم من خلال الشعر فلدي نص بعنوان سديم لم يولد بعد، وآخر يحمل الكثير من المفاهيم الفيزيائية وبعض القوانين وانفتاح الكون. ونص آخر بعنوان سياحة في عقلي، من الممكن أن يناسب الأطباء باعتبار محاولتي تشريح العقل للوصول إلى الذاكرة، فاستخدمت المصطلحات العلمية.

البعض يعارض هذه الفكرة ويرى أن الشعر لا بد أن يكون محصورًا في مفردات معينة حسية، والعلوم مواضوعاته جادة وجافة جدًا. ولكني أحب أن أكتشف العالم من حولي من خلال الشعر.

- وكيف طورت من أدواتك الشعرية؟

بالقراءة ثم القراءة ثم القراءة، ثم تقبل النقد، البعض ينزعج عندما يقال له هذا النص لا يشبهك أو لا يمثلك، أنا أتأثر بشكل إيجابي ولا أنزعج، تأثر يجعلني أطور أدواتي وأنمي صوت الناقد الداخلي الموجود في كل شاعر، وأحاول أن لا أستعجل في النشر. البعض ينشر لجذب التعليقات والإعجابات وهذا فخ مخيف جدًا، أحسب أني قد تخلصت منه. التأني مهم أثناء الكتابة والنشر والظهور.

- هل تأثرتِ بالشعر العراقي؟

نحن تربينا في بيئة دينية وارتباطنا بالعراق وثيقًا، فالمواويل والأناشيد نمت معنا، والشجن العراقي مرتكز في الذاكرة ولا نستطيع ان نتنصل منه، وهو موجود بشكل أو بآخر في أشعار المنطقة والمواضيع المطروقة.

مداخلة سلمان الجبارة

رأت الديوان ورأيت أنه مكتنز بالمعاني والاشتغالات الفلسفية العميقة جدًا في كثير من النصوص، فهو مسكون بالتساؤلات الكبرى، بالشك، وفيه مفاهيم كثيرة، فهل أرادت حوراء التداخل بين الشعر والفلسفة لفك العزلة عن الشعر بواسطة الفلسفة وإسقاط بعض المفاهيم من الحالة المتعالية إلى الواقع عبر ما يسمى بالقلق في الفلسفة لكي تستطيع التعبير عن اهتمام المرأة وقلقها المعاصر بالذات؟.

- لم أقصد أن أوظف الفلسفة بشكل مخصوص في الشعر لأجل أن أطرح هذه التساؤلات، ولكنها كانت معبر ومنفذ وتمثل تجربة مرحلية معينة، ربما الآن لا أطرق الفلسفة لتشبعي من حوراء الفيلسوفة. الآن مثلًا أجرب حوراء المتأملة في الطبيعة أو التي تطرق العلوم أو أي باب آخر. ولكن الفلسفة مفتاح لأنها تفتح لنا باب التساؤلات، والسؤال أهم من الإجابة. فكان الشعر هو أداة للبحث والسؤال والتقصي والاكتشاف في هذا الكون، وكان يمثل تجربة مرحلية.

- كيف استطعت اكتساب الصفات القيادية دون التأثر كشاعرة؟

ربما لا يصدق الجمهور أني إلى الآن أشعر بتوتر وقلق قبل الظهور، فكل طهور يحمل قلقًا، وترقب ورهبة، وهي أمور إيجابية تحفز على الاستعداد والمواجهة. في تجربة أمير الشعراء كنت متوترة وقلقة، ولكني أحاول أن أفصل بين اللحظة وكل شعور آخر، وهذا ما حرصنا عليه. كانت لدى زميلة حالة وفاة قبل حلقتها بيوم واحد، فكيف تسيطر على كل هذه المشاعر وتفصلها عن الواقع الذي يحتم عليها الظهور بصورة مشرفة وتنعزل عن كل شعور تحمله. أنا أحاول أن أطبق هذه القاعدة عندما يكون لي ظهور معين أن أفصل. مع التعويل على قبول الجمهور والمجتمع.

- هل توظيف الأسطورة في النص الشعري يؤدي به إلى الأدلجة؟

لا أعتقد فالبعض يحمل هاجس توظيف الأساطير في أشعاره، ولكن جميل أن يكون النص مثقفًا يحمل رؤية الشاعر وثقافته واطلاعه على الثقافات والحضارات، وعلى تفكير المجتمعات سابقًا، وعلى علاقة الإنسان ببيئته وبمعتقداته وبما يؤمن به. والموضوع لا يصب في الأدلجة بشكل أو بآخر.