آخر تحديث: 21 / 6 / 2024م - 1:01 ص

الشاعر شفيق العبادي: المهرجانات الأدبية العربية تحكمها الصداقات والعلاقات الشخصية

جهات الإخبارية حوار: مصطفى الخليل - القدس العربي

يسعى الشاعر السعودي شفيق العبادي، إلى تأسيس خطاب شعري متفرد، ربما هذا ما جعله يتأنى في طرح ديوانه «شيء يشبه الرقص» الذي يُعد باكورة أعماله المطبوعة بعد خمسة وثلاثين عاماً من قرضه للشعر. عن الشعر وعوالمه وما يحيطه من حركة نقدية، جاء هذا الحوار..

تكتب الشعر العمودي والحر والنص النثري، ما يصعب تصنيفك، يا ترى أين تجد نفسك؟ وما هي ملامح بداياتك وبمن تأثرت؟

أجد نفسي في لغة الشعر، حيث الشعرية هناك في تخوم اللغة البعيدة التي تحتاج لسفر وحفر في «ميتا اللغة» للوقوع على عصاها السحرية، والظفر بمارد فانوسها، وما الباقي سوى مكملات لمعمار النص الشعري لا يعني ذلك أنها فائض قيمة كما يذهب البعض باختصار حيث توجد الشعرية، التي يسكبها الشاعر من روحه المبدعة، يتجلى النص بكامل إشراقاته لأي لون انتمى، سواء عموديا أم حرا أم نثرا. أما بداياتي فقد كان مدخلها من بوابة الشعر العمودي، وتحت عباءة الجواهري تأثرا وتتلمذا، غير أن رؤيتي الخاصة لمعنى الشعر جعلني أنفتح على مفهوم الشعر بمعناه الأشمل، غير آبه بلعبة التصنيف الضيقة.

تماهيت في نصوصك مع اللاواقع واللامعقول بشكل كبير، برأيك لماذا يغوص الشاعر في مساحات اللاوعي بشكل مفرط أحيانا؟

إجابة هذا السؤال تحيلنا لنسبية قراءتنا والتقاطنا لهذا الواقع المُشَوِّشْ لِلَواقط الوعي، كل رهن حساسية مستقبلاته الخاصة، التي تحتاج لمرايا محدبة، خلاف الشاعر والفنان والكاتب الذاهبين جميعا إلى حواف الأشياء، حيث تفاصيل الذاكرة بصورتها البتول، بطزاجتها المعرفية والثقافية، بنقاء سريرتها الفكرية، حيث الاقتراب من تخومها يتطلب لغة ثانية، أو لغة في اللغة حسب بعض النقاد، وإلا أصبحت تقريرية لا تليق سوى بالبيان الصحافي والتداول اليومي «العادي». لهذا قام هذا البرزخ الوهمي، طبعا لمن يفتقر للأدوات اللازمة لعبور هذا البرزخ وهتك ستره.

لماذا تلجأ إلى الغموض في الكثير من أشعارك؟

ثمة بون شاسع بين «غموض المعنى» حيث ارتباك الصورة وإرباكها، الذي يفتح الطريق للعبة المتاهة، من خلال تساهله في إعطاء كروته الخضراء لكل عابر شعر وما أكثرهم في واقعنا الراهن، و«انفتاح المعنى» على مروحة من الدلالات، باتكائه على «الصورة المراوغة» التي لا تسلّم لجامها إلا لفارس «قارئ» نوعي باشتراطات معينة.. ألا يستحق النص ذلك؟

كغالبية أشعارك جاءت بنية النص ومعانيه البعيدة في قصيدة «يا عاقد الحاجبين» لتحيل الحدث التاريخي لحالة مستمرة. كيف يحيل الشاعر نفسه إلى أحد محاور الحدث التاريخي؟

طبعا ثمة اختلاف كبير بين اللغة الشعرية كونها لغة مجازية بامتياز، والكتابة التاريخية بثيمتها الأساسية المتكئة على الحدث. لهذا ولكي تدخلها في فضاء اللغة الشعرية، لا بد من تجريدها من علائقها الجامدة، وتسييلها لتستطيع صبها في قوالب فنية تتفاعل طردا مع مقدرة الشاعر على تطيير معانيها، لاسيما إذا فرض هذا الحدث نفسه على وجدان الشاعر، أو كان قريبا منه، فكلما كان التعالق حميميا، انعكس ذلك على حرارة التجربة، وربما أعطى الشاعر له دورا في نمو أحداثها الدرامية، ما يرقى بها لمستوى المصداقية، تلك النكهة التي تمدها بزخم لانهائي، وتؤمن لها عمرا استثنائيا غير مرتبط بجذرها. فهي توظيف للأحداث التاريخية من خلال استثمار طاقتها، مثلها مثل باقي التوظيفات كالأسطورة والرمز.

هل نستطيع القول إن عصر مقاطعة الحداثة في السعودية قد انتهى؟ أم إنه فعليا ما زال الولوج لعالمها خجولا، أم إنه في طور البدايات؟

يقال إن التاريخ ليس أحداثا وحسب، بل هو ذاكرة المجتمعات يحمل الشيفرات الجينية لأحداثها المستقبلية، من خلال تحليله لإحداثياته السابقة، ما يصطلح عليه «الدورات التاريخية». فمصطلح الحداثة إذا استثنيناه كحركة ثقافية تاريخية انتقالية ومفصلية، نستطيع أن نقول إن لكل عصر ومرحلة تتجاوزها البشرية، أو المجتمعات حداثتها «أي هناك حداثات متعددة». ولأن نصيب الشعر من ميراث الحداثة هو الكيل الأوفى، ولأن منسوب الذاكرة العربية طافح «بالشعر العربي» كونه أحد وأهم المرجعيات الثقافية والفكرية، بكل ألوانه وتحولاته وحمولاته التاريخية والفلسفية، لهذا لم تكن ولادته متعسرة لولوجه شوط الحداثة والتفاعل مع سباقاتها ورهاناتها المستقبلية، ومنه الشعر السعودي لاتكائه على موروث كبير، يضرب عميقا في التاريخ الإنساني، متساوقا مع مختلف الأصوات الكبيرة على مستوى العالم العربي. فمنذ فترة ثمانينيات القرن الفائت، التي شهدت فيه حركة الحداثة انفجارا إبداعيا غير مسبوق على مستوى تكنيك القصيدة وقفزها على النسق السائد، انعكس على شكل معارك أدبية غاية في الرصانة، أفضت إلى تأصيل الحركة الحداثية في المملكة، كتيار مهم برموزه الكبيرة التي أثرت الساحة الثقافية بإبداعاتها المهمة.

يعتبر المشهد الشعري السعودي ثريا من خلال تنوع روافده، ومن هذه الروافد الشعر القطيفي، فما نسبة حضوره ومشاركته في هذا المشهد؟

بالتأكيد المشهد الشعري القطيفي كان مشاركا ومشتبكا مع المشهد الشعري العام، منذ وقت مبكر، حيث أفرزت هذه المشاركات أسماء بعضها تاريخية، من خلال التحقيقات والدراسات الأدبية والأكاديمية، وبعضها معاصرة، ففي تاريخنا الحديث تزامن مع مشاركات هؤلاء الشعراء إدراج بعض نصوصهم ضمن المناهج الدراسية، كالشاعر عبدالله الجشي، والشاعر والمحقق والتاريخي عدنان العوامي، وهناك الشاعر حسن السبع «شاعر حداثي»، وهناك الكثير من الأسماء التي يطول بنا المقام لاستحضارها، أما في وقتنا الراهن فمسبحة الأسماء تطال شعراء الشباب المشتبكين والمتفاعلين مع المشهد بكل أطيافه. فالقطيف جزء لا يتجزأ من المشهد الشعري السعودي بثرائه وتنوعه.

اقترن الشعر بأنشطة معينة كالمهرجانات التي عرفها الواقع الثقافي على امتداد تاريخه، يا ترى هل تعاملت هذه المهرجانات بحيادية مع المبدعين؟

للأسف هذه الظاهرة اشبعت كتابة وانتقادا من المعنيين بالشأن الثقافي، كون هذه المهرجانات تتعامل بنوع من التصنيم لأسماء بعينها، كانوا وما زالوا ضيوفا دائمين على هذه المهرجانات، إذ ربما تتحكم في طبيعة الدعوات العلاقات الشخصية والصداقات. والغريب أن هذه الظاهرة ما زالت مستمرة رغم تغير ظروف هذه المهرجانات وأماكنها، وللأسف الخاسر الأكبر هو الشعر وتطور مسيرته، فللمبدع طرقه ووسائله لإيصال صوته، عبر المنصات المختلفة، لكن غياب الأصوات المبدعة عن هذه المهرجانات، بما تمثله من حدث استثنائي في أغلب الأحيان، يفوّت الفرصة على الراصد الفني من اكتشاف هذه الأصوات، التي حتما ستكون إضافة لرصيد الشعر ودارسيه.

وكيف ترى أسباب تراجع نقد الشعر في العالم العربي في وقتنا الراهن؟

يبدو أن أسباب تراجع نقد الشعر مركبة أدت في نهاية الأمر لفك الارتباط العضوي لمعادلة «المبدع الناقد» وأقصد بتراجعه كخطاب فاعل ومنفعل في حركة الواقع. منها التحولات السريعة، التي مرّ بها قطار الشعر، بل الانعطافات الكبيرة منذ بداية انفتاحه على مرحلة الحداثة، التي مالت فيها حركة النقد بشكل كبير لعملية التنظير «الأكاديمي» وبنسبة أقل لممارسة التطبيق، تعزيزا لهذه الدراسات والتنظيرات من خلال انفتاحها على المنتج الغربي، دون مراعاة لخصوصية المرجعية العربية التي راكمت على مدار تاريخها الأدبي نظريات نقدية مستولدة من رحم الثقافة العربية، وبحمولات أدبية بحتة مكرسة أسماء نقاد ما زالت إسهاماتهم ضمن منصات التداول الثقافي، بل ولّد شيئا من الحساسية بين أصحاب النقد الأكاديمي، الذين وقّعت لهم مؤسسات البحث والجامعات شيكا مفتوحا لتبني أطروحاتهم وترويجها، ونقاد المدرسة التقليدية «إن صح التعبير» كل ذلك على حساب الحركة الإبداعية. كما أعطت للحركة النقدية «الحديثة» فرصة استقلالها لتفك معادلة «المبدع الناقد» التاريخية المشار لها، ما أدى لرسم مسار خاص بها، مؤصلة نفسها كحركة إبداعية مستقلة ومكتفية بذاتها، وكأحد تمظهراتها ظهور خطاب نقدي يجعل من النقد نفسه موضوعا للتفكير والتحليل «نقد النقد» وإن كان هذا النشاط قديما في الممارسة النقدية وله جذور تاريخية، إلا أن التنظيرات الحديثة سعت إلى الارتقاء به إلى درجة الكيان المعرفي على حساب النقد الأدبي، الذي تراجع دوره كثيرا، وإن لم تخل الساحة من نقاد كبار تعاطوا مع المنتج الإبداعي بحرفية فائقة، غير أن النقد كحركة فاعلة تراجعت للأسف الشديد. هذه بعض الأسباب التي يطول الحديث عنها لو تم استقصاؤها كاملة لا يتسع المجال لذكرها هنا.