آخر تحديث: 23 / 6 / 2024م - 1:15 م

هوامش التأريخ في تجربة الجنبي

أثير السادة *

عودتنا المدونات التاريخية أن لا تكون مجرد توصيف للأحداث، ولا حتى تحليلاً لها، بل هي وصف لطبيعة القلق والرغبات التي ترسم حدود تلك الكتابات، وحدود التطلعات التي ترجعنا إلى دوافع الكتابة ومحفزاتها.. وهذا ما يجعلنا نطالع الدراسات التاريخية باعتبارها علامات على طبيعة السجالات والأسئلة التي تختلط بهواء الناس في حقبة زمنية ما.

في القطيف كانت الكتابات التاريخية المخصصة لدراسة هذا المكان تختار مواعيدها على هامش التحولات السياسية والاجتماعية وحتى التكنولوجية، وهي تجهد في كتابة ذاكرة المكان الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وإعادة موضعتها في مشهد الحياة الذي بدا وكأنه يحمل المكان إلى الهامش، ويخرجه من متن التاريخ، لهذا تمازج القلق المناطقي بالقلق الهوياتي في الكثير من تلك الدراسات، من أول جهد تأسيسي لكتابة السفر الأول للمكان في تجربة ساحل الذهب الأسود لمحمد المسلم، وحتى جهود الراحل عبدالخالق الجنبي في تثبيت صور المكان وتعزيز هويته التاريخية.

لا يمكن مطالعة مزاج الكتابة التاريخية بمعزل عن سياقها التاريخي، والثقافي، والاجتماعي، فالكلام عن الماضي ليس كلاما برئياً ومجرداً في كل الأحوال، ولعل مثال الجنبي هو أكثرها وضوحاً وتصريحاً بهذه التأثيرات التي حملته إلى أسئلة وعناوين وملفات بل ومعارك وسجالات مفتوحة حول السرديات التاريخية التي تتناول إقليم البحرين القديم، والتي كانت حصيلتها تحقيق ديوان علي إبن المقرب العيوني، والتأكيد على الهوية المذهبية للدولة العيونية، ومثلها لإقليم البحرين الكبير الذي عالج الكثير من محطاته التاريخية في دراساته الكثيرة.

امتاز الجنبي بهذه الحماسة للانتصار لهوية المكان، وهو يغوص في الوثائق والنصوص والخرائط والصور، وضع يده على الكثير من الأدلة التي حملته على حسم استنتاجاته حول مدن ومواقع وأحداث تاريخية، كمدينة ”جرة“ أو جرهاء التاريخية، وآفان الدارسة، وقبر الآوجام، فضلاً عن هجر بقضباتها الثلاث والتي أصبحت مرجعاً عند المهتمين بهذا التاريخ، وفصلاً من فصول الصراع مع المختلفين معه في استنتاجاته.

يحسب للجنبي مقاربته الذكية للنصوص التاريخية، وانزياحاتها، ومطالعاته الواسعة في النصوص الشعرية القديمة، وشروحاتها، والتي بدت الرافعة الأولى للذاكرة البديلة التي سعى لإيجادها، لم يكن في منأى من الاستحسانات والترجيحات بطبيعة الحال، إلا أن ذلك يأتي بالانسجام مع مزاجه وأسلوبه البحثي في إعادة ترتيب التواريخ التي تصبح غالباً موضعاً للتقديم والتأخير، وأحياناً للحذف والإضافة، في خندق الكتابة التاريخية الشائعة.

من هنا كان الجنبي متصالحاً مع ذاته وهو يفتش في أروقة التاريخ عن صور منسية أو مطموسة، أو مغيبة، لا ينشغل بتقديم رؤية تصالحية وهو يدفع بالتاريخ إلى الأمام، هذا ما يجعله يفترق عن تجربة السيد عدنان العوامي على سبيل المثال، الذي يستثمر في المناسبات لتحفيز ذاكرة تتجاوز عقد الخصومات الطائفية والاجتماعية في المنطقة، فهذا الأخير محمول على رغبة إيجاد ضوء في نهاية النفق، فالتاريخ بالنسبة له درس نتعلم منه قبل أي شيء، ومناسبة نستثمر فيها، بينما كان الجنبي يرى في هذا التاريخ سلاحاً ضد النسيان، وضد التهميش، وجهداً إنسانياً يستحق أن يضحى له.