آخر تحديث: 17 / 6 / 2024م - 1:42 م

اللغة مدماك الهوية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

إذا انطلقنا من التسليم بأن الهوية هي الخصائص التاريخية واللغوية والنفسية التي تفصل بشكل حاسم بين جماعة وأخرى من الناس، وهي كما يراها الدكتور عبد العزيز الدوري ما يحدد الذات ويميزها، فإن هوية العرب مرت بمرحلتين تاريخيتين حاسمتين. الأولى تمثلت في اكتشاف العرب لذاتهم، قبل الإسلام بعدة قرون، والمرحلة الثانية ارتبطت ببزوغ الإسلام، وبالدور الذي لعبته مرحلة الفتوحات في نشر الهوية العربية إلى آفاق جغرافية أوسع.

لقد استند التكوين التاريخي للعرب، إلى عنصر اللغة، وباتت ثقافة العرب رديفة للغتهم. ومع أن الدور الحضاري للعرب، ارتبط كما أشرنا بالإسلام، لكن التميز بينهما ظل قائماً وثابتاً، فالعربية انتماء إلى لغة، بينما الإسلام انتماء إلى عقيدة. والنتيجة هي وجود عرب غير مسلمين، ومسلمين من غير العرب.

اللغة العربية، بشكل مبسط، كما في حال اللغات الأخرى، وظيفتها وغايتها، التعبير والتواصل. وتعتمد اللغة على وسائل معينة لبلوغ أهدافها. وحين ناقش أفلاطون موضوعها تصدى لمعالجة علاقة الأشياء بالأسماء، فأكد أن الاسم انعكاس وتعبير عن المسمّى، وهو مشتق من مكوناته وتركيباته. بمعنى أن الدال باستطاعته محاكاة المدلول والتعبير عنه. وذلك يعني أن علاقة اللغة بالأفراد الناطقين بها ليست مجرد عرف وتقاليد، ولكنها علاقة عضوية، إذ إن الكلمات والجمل في حقيقتها تعبير غير ساكن، كونها تعبر عن صورة الأشياء في زمان ومكان محددين، وبالتالي فإن الصيغ اللغوية هي تعامل وتفاعل مع بيئة محددة بذاتها.

التفاعل الإنساني الذي يحدث بسبب من تمازج حضارات مع بعضها بعضاً، يمكن أن يؤدي إلى انتشار لغة الحضارة المهيمنة في بقاع جديدة، غير تلك التي انبثقت منها، مسهمة في خلق واقع موضوعي جديد ينتج عنه هزيمة البنية الاجتماعية السائدة من قبل، وقيام أخرى على أنقاضها. وذلك بالدقة ما أدى إلى تطور الوعي العربي لمفهوم الهوية.

على أن ارتباط صعود اللغة العربية بالإسلام، لا يلغي التمييز بين الهوية العربية والإسلام. لكن ذلك لا يعني الفصل التام بينهما. إن أي محاولة للفصل بين العروبة والإسلام، هي عملية تعسفية، ذلك لأن العرب، أسسوا حضارتهم، على قاعدة التبشير بالدعوة إلى الدين الحنيف، وامتزجت الدعوة إلى مبادئه وتشريعاته بثقافتهم. ليس ذلك فحسب، بل إن الأقوام الذين دخلوا في الإسلام من غير العرب، قد دخلوا الإسلام بثقافاتهم ومواريثهم، ونقلوا بعضاً منها إلى دار الإسلام. بما يعني أن الهوية لم تكن في حالة ركود، بل كانت تتفاعل مع الواقع التاريخي والموضوعي، الهوية العربية، على هذا الأساس، هي نتاج مواريث وتقاليد تراكمت عبر حقب ممتدة، وهي أيضاً نتاج تفاعل الأمة مع واقع عالمي متحرك، ولذلك تتجدد، كما تتجدد اللغة والتقاليد والمواريث.

الهوية العربية مرّت منذ تشكّلها بعدة مراحل، من إرهاصاتها الجنينية، حين أدرك العرب، أنهم ينطقون لغة واحدة، ويعيشون في جغرافية واحدة، دون وجود كيان قانوني يجمعهم ويدير شؤونهم. وقبيل انبثاق رسالة الإسلام، ومع الصراع بين المناذرة والغساسنة في شمال الجزيرة العربية، بدأ يتشكل وعي خاص للعرب بانتمائهم إلى لغة وجماعة. وكانت القبلية والنسب محورين رئيسيين في صناعة الهوية والانتماء إليها، وحين جاء الإسلام، أضيف إلى ذلك عنصر آخر، هو عنصر العقيدة.

ومع بروز دولة الخلافة، ثم انتقالها إلى بلاد الشام والعراق، تعززت المراكز الحضارية، وتراجع تأثير البنيان القبلي، لصالح الانتماء إلى الكيان العربي الأوسع، «دولة الخلافة العربية الإسلامية».