آخر تحديث: 18 / 7 / 2024م - 10:07 م

الغرور وتحقير النفس

صالح مكي المرهون

هناك صورتان محرمتان ومذمومتان:

الغرور وتحقير النفس، فالإنسان جبله الله على حب الرقي وحب الكمال والانتقال بالنفس إلى أفضل الأوضاع ذاتيا واجتماعيا. والإنسان في بعض الأحيان عندما يغلب عليه شيطانه، ويضعف دور عقله ومصداقيته، يصور نفسه بأكبر من صورتها، وهذا غرور، والغرور حرام. كما أن تحقير النفس يقتضي عدم الثقة برحمة الله وإهانة وإيذاء النفس، وهذا أيضا حرام. لذلك، أمر التزكية متروك إلى الله، وعلى العبد العمل.

الغرور مرض نفسي يصيب الإنسان إذا ما عجز عن الارتقاء والكمال بنفسه بالطرق المشروعة. بمعنى أن الإنسان يحتاج أن يكون عظيما في نفسه، والطرق المؤدية إلى ذلك منها واقعي وأخلاقي، ومنها ما هو واقعي ولا أخلاقي، ومنها ما هو لا واقعي ولا أخلاقي.

أما الواقعي والأخلاقي فهو سد لهذه الحاجة، أي العظمة والكبر، عن طريق سلوك واقعي وصفات واقعية في الحياة توجب أن يكون هذا الإنسان عظيما وفق مقاييس المجتمع، ووفق مقاييس الذات. فمثلا، مهندس كان مبدعا في مجال الهندسة، فأصبح مهندسا عظيما. هذه العظمة واقعية وأخلاقية، لأنه سلك الطرق المعروفة والمشروعة، ووصل إلى مستوى مرموق في نظر أمثاله. فهنا حقق عظمة واقعية وأخلاقية.

أما النوع الثاني وهو الواقعي اللاأخلاقي، فيتحقق في من سد هذه الحاجة، أي العظمة، بوسائل تنطوي على أمور تجعل هذا الشخص عظيما في المجتمع، سواء كانت هذه العظمة منطلقة من صفات أخلاقية أو غير أخلاقية. هنا أصبحت لدينا كبر وعظمة واقعيين، لكن فيها إهمال للجانب الأخلاقي. وفي بعض الأحيان تحصل هذه العظمة، أي عظمة المال أو السلطة وما إلى ذلك، وهذا لحد الآن لا يتعارض مع الأخلاق، ولكن سلوك هذا الشخص فيما يتعلق بالعظمة هو سلوك سلبي في المجتمع، فيه الكثير من الترفع والاستعلاء والتكبر، أي يغتر بما عنده وهو فعلا عنده. فهنا أصبح غير أخلاقي وهو الغرور بذاته.

أما النوع الثالث وهو اللاواقعي واللاأخلاقي، وهو أيضا من الغرور، حيث لا توجد مسوغات وأسباب لأن يغتر الإنسان بنفسه، بمعنى أن لا وجود لأسباب واقعية للعظمة المزعومة في النفس، فضلا عن انتهاكها للأخلاق العامة، أي يغتر بما ليس عنده.

وهذه إذن من وجهة نظر سد الحاجة والأخلاق بالنسبة للمغرور.

والغرور يكون حتى في أتباع دين الله، ولهذا يقول القرآن: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: آية 33]، فهذا النص يقول: لا تجعلوا من دين الله واتباعكم له ظاهرا، وكونكم من المنقادين إلى الله، والمحسوبين على دينه سببا لمعصيتكم. فإن حبائل الشيطان تمتد حتى في التقوى، وحتى في الدمعة التي يسقطها ناسك يتعبد أطراف الليل في أطراف الدنيا. فالشيطان يعرف خبايا النفس ودليل طرقها، والدنيا تغر.

فعلى الإنسان أن يرقى إلى الكمال والانتقال بالنفس إلى أفضل الأوضاع ذاتيا واجتماعيا، والله ولي التوفيق.