آخر تحديث: 30 / 5 / 2024م - 11:19 ص

دور القطاع الخاص ودور صندوق الاستثمارات العامة في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 «8»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال الاقتصادية

تتباين الدراسات في تأثير“المزاحمة”على الاقتصاد، فهي ليست متوافقة على أن تأثير المزاحمة سلبي دائماً، كما أن تأثيرها يتفاوت وفقاً لوضع الدولة من حيث النضج الاقتصادي أو النمو، ومن حيث وضع ماليتها العامة.

نتناول هنا أمثلة من الدراسات التي لا تجزم بأن تأثير“المزاحمة”سلبي دائماً. فقد وجدت دراسة أجراها بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو العام 2021، أن الإنفاق الحكومي يمكن أن يزاحم الاستثمار الخاص في بعض الحالات، لكنه أيضاً يمكن أن يجلب الاستثمار الخاص في حالات أخرى. فطبقاً لهذه الدراسة، فتأثير المزاحمة يحدث على الأرجح عندما يكون الاقتصاد في حالة توظيف كامل «full employment»، وعندما تمول الحكومة إنفاقها عن طريق الاقتراض. كما خلصت الدراسة أيضاً إلى أن“المزاحمة”من المرجح أن تحدث واقعياً عندما يكون الاقتصاد في حالة ركود، وعندما تمول الحكومة إنفاقها عن طريق زيادة الضرائب، حيث تبدأ الاستثمارات الخاصة في النقصان.

كما وجدت دراسة حديثة أخرى، نُشرت في مجلة رسائل الاقتصاد في العام 2022، أن الإنفاق الحكومي على البنية التحتية يمكن أن يحشد الاستثمار الخاص ولا يزاحمه، وأن الإنفاق على البنية التحتية يمكن أن يزيد من إنتاجية القطاع الخاص، مما قد يؤدي إلى مستويات أعلى من الاستثمار الخاص.

ومن ناحية أخرى، فإن نضج الاقتصاد لابد أن يؤخذ بعين الاعتبار، فما ينطبق على البلدان المتقدمة اقتصادياً لا ينطبق على البلدان النامية. وما عرض هنا من دراسات حتى الآن تناول تأثيرات المزاحمة في بلدانٍ متقدمة اقتصادياً. وللاستدراك، فهناك العديد من الدراسات عن نشاط“المزاحمة”في الاقتصادات النامية.

ومن أهم الدراسات في تأثير المزاحمة في البلدان النامية، دراسة“الازدحام والنمو الاقتصادي في البلدان النامية”، للمؤلفين مايكل جافين وداني رودريك «1995»، والتي بحثت في العلاقة بين المزاحمة والنمو الاقتصادي في البلدان النامية، وارتكزت على بيانات من 65 دولة نامية لدراسة آثار الإنفاق الحكومي والضرائب على النمو الاقتصادي، ووجدت أن الإنفاق الحكومي قد يزاحم الاستثمار الخاص في البلدان النامية، لكن تأثير المزاحمة ليس سلبياً بالضرورة؛ فمن المرجح أن يكون تأثير المزاحمة سلبياً عندما يكون عجز ميزانية العامة ضخماً، وعندما يكون إنفاق الحكومة غير كفوء.

وخلصت دراسة أجراها بنك التنمية الآسيوي إلى أن تأثير“المزاحمة”يمكن أن يكون سلبياً على النمو الاقتصادي في البلدان النامية، عندما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة، مما قد يثبط الاستثمار والاستهلاك الخاصين. فضلاً عن أن المزاحمة تؤدي إلى تقلص الائتمان المُتاح، ما قد يجعله صعباً على الشركات تمويل عملياتها.

وفي دراسة ثالثة أجراها صندوق النقد الدولي، وجدت أن المزاحمة أكثر وضوحًا في البلدان النامية منها في البلدان المتقدمة، بسبب أن الأسواق المالية في البلدان النامية غالباً ما تكون - بالمقارنة - أقل تطوراً، ما يجعل من الصعب على الحكومة الاقتراض دون رفع أسعار الفائدة. وبغض النظر عن“المزاحمة”، البلدان النامية أقل جذباً للاستثمار الأجنبي المباشر، مما يعني أنها أكثر اعتماداً على المدخرات المحلية لتمويل الإنفاق الحكومي.

وعليه، فيمكن أن يختلف تأثير“المزاحمة”على الاقتصادات النامية بناءً على جملة عوامل: مقدار عجز الخزانة العامة، مدى ارتفاع سعر الفائدة، وفرة التمويل للقطاع الخاص. ومع ذلك، تشير الدراسات التي أجريت إلى أن المزاحمة يمكن أن يكون له تأثير سلبي كبير على النمو الاقتصادي في البلدان النامية وأن ذلك يعتمد على أوضاع الدولة الاقتصادية وما لديها من فسحة مالية. «يتبع»

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى