آخر تحديث: 30 / 5 / 2024م - 4:14 م

دور القطاع الخاص ودور صندوق الاستثمارات العامة في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 «7»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال الاقتصادية

تعج الأدبيات الاقتصادية بدراساتٍ لحالات المزاحمة، فالمزاحمة في كثير من الأحيان، ليس بالإمكان تفاديها، فهي إجمالاً عَرَضٌ جانبي لا فكاك منه لتحقيق مصلحة اقتصادية شاملة؛ وتؤكد ذلك دراساتٌ استخلصت أن وقوع المزاحمة ينتج عن إنفاق أموال حكومية حتى في مجالات أساسية لبناء السعة الاقتصادية والشمول، وتحديداً

الإنفاق الحكومي على البنية التحتية: قد يُسفر عن الإنفاق الحكومي على البنية التحتية أن يزاحم الاستثمار الخاص في البنية التحتية.

التنظيم الحكومي للأعمال: قد ينتج عن تطورات البيئة التنظيمية لنشاط أو أنشطة اقتصادية مزاحمة الاستثمار الخاص في الأنشطة الاقتصادية.

البرامج الاجتماعية الحكومية: تقديم البرامج الاجتماعية الحكومية قد يؤدي لمزاحمة الأعمال الخيرية الخاصة.

ولكن هذه المزاحمة قد لا يكون منها بد أو أن تكون هامشية التأثير، بما يعني قبول تواجدها في سبيل تحقيق هدف أشمل يعزز التنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادي. وفي هذا السياق، قد وجدت العديد من الدراسات الارتكازية التي تناولت المزاحمة، لاسيما في الولايات المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والمعتمدة على تحليل سلاسل زمنية ممتدة؛ أن تأثير المزاحمة ثانوياً. وطلباً للتحديد نتناول إحداها؛ فقد نشرت دراسة في دورية الاقتصاديات النقدية في العام 2003، بعنوان تأثير الإنفاق الحكومي على استثمار القطاع الخاص، شملت بيانات للفترة 1960-1990 لمجموعة 16 دولة متقدمة اقتصادياً، «وهي: أستراليا، النمسا، بلجيكا، كندا، الدنمارك، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، هولندا، النرويج، إسبانيا، السويد، والمملكة المتحدة.». وخَلُصَت الدراسة إلى النتائج الرئيسة التالية:

أن الإنفاق الحكومي له تأثير سلبي على الاستثمار الخاص في تلك الدول. ومع ذلك، فإن تأثير المزاحمة ضئيل. وهذا يعني أنه لا يزال من الممكن أن يكون للإنفاق الحكومي تأثير إيجابي على النمو الاقتصادي، حتى لو أدى إلى استبعاد بعض الاستثمارات الخاصة.

أن تأثير المزاحمة يعتمد على عدد من العوامل، من بينها حجم عجز الموازنة الحكومية، وسعر الفائدة، ومستوى النشاط الاقتصادي، وأنه - إجمالاً - من المرجح أن تحدث المزاحمة عندما يكون:

«1» عجز الميزانية الحكومية كبيراً،

«2» ومعدل الفائدة مرتفعاً،

«3» والاقتصاد في حالة ركود.

أن على صانعي السياسات توخي الحذر عند زيادة الإنفاق الحكومي، فقد يؤدي ذلك إلى استبعاد الاستثمار الخاص. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أنه يمكن التخفيف من تأثير المزاحمة من خلال السياسات التي تشجع الاستثمار الخاص.

والنتائج أعلاه، أكدتها للحد البعيد دراسة مسحية حديثة «نشرت العام 2022 في دورية الاقتصاد الكلي» بُنيّت على البيانات الوصفية «metadata» لـ 205 دراسة سابقة، حيث خَلُصت إلى أن على صانعي السياسات توخي الحذر عند زيادة الدين الحكومي، فذلك قد يؤدي إلى استبعاد الاستثمار الخاص، وإلى تباطؤ النمو الاقتصادي. وتستدرك الدراسة ببيان أنه يمكن التخفيف من تأثير المزاحمة من خلال السياسات التي تشجع الاستثمار الخاص وتعزز النمو الاقتصادي.

فضلاً عن أن المزاحمة بالقطع لا تٌمارس عن سبق إصرار وترصد، إذ لا يمكن تصور أن ثمة استثمارات حكومية هدفها“مزاحمة”استثمارات القطاع الخاص، أو تصور مجرد أنها لا تعبأ بالمزاحمة. لكن المزاحمة تحدث كنتيجة لعدم اتساق السياسات أو نتيجة لمستجدات تطرأ على الاقتصاد بما في ذلك أوضاع السياسات النقدية والمالية. وهكذا، فالمزاحمة تظهر كمجموعة“أعراض”ينصح بالتحوط ضدها من خلال إطار تنظيمي مَرّن، يراقب معطيات الاقتصاد ويدفع باتجاه اتساق الانفاق الحكومي والخاص لتحقيق أعلى كفاءة، وتكييف السياسات بناءً على المعطيات المستجدة. «يتبع»

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى