آخر تحديث: 18 / 7 / 2024م - 10:07 م

خواطر حول الثقافة الخليجية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

نستخدم مفهوم الثقافة في هذا الحديث، ليس بالمدلول العام للمعنى، الذي يتضمن العادات والتقاليد والفلكلور الشعبي والمواريث، ومختلف الأنشطة الاجتماعية، ولكن بصلته بالأدب وما له علاقة به من أنشطة.

وبديهي التأكيد، على أنه لا يمكن تقديم قراءة دقيقة عن النشاط الثقافي في بلدان الخليج العربية، بمعزل عن علاقتها بالأمة العربية. فهذه العلاقة، ليست اعتبارية فقط، بل هي أمر واقع، تجعل أي محاولة لعزلها عن بعضها بعضاً عملاً تعسفياً. فالعلاقة بين بلدان الخليج وبقية البلدان العربية، قديمة قدم التاريخ. وقد باتت أكثر تطوراً ومتانة، بعد اكتشاف النفط، وتصديره بغزارة منذ نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث استقبلت الآلاف من المواطنين العرب، الذي قدموا للعمل بالمنشآت النفطية، والشركات والمؤسسات.

كما أن الثروة المتأتية من النفط، مكّنت هذه البلدان، من الدخول بقوة في عصر التعليم والمعرفة. وكان معظم من يعملون بمهنة التعليم، في جميع مراحله، من العرب الوافدين، مصريين وفلسطينيين وسوريين ولبنانيين وعراقيين وسودانيين. ومن جهة أخرى، بدأت البعثات الدراسية للخارج منذ مطالع الستينيات من القرن المنصرم، وكان معظمها في البداية، موجّه إلى الجامعة الأمريكية بلبنان، والجامعات المصرية. وقد أسهم هذا التواصل القومي، دون شك، في تعزيز الروابط الثقافية الخليجية مع بلدان الوطن العربي.

ومثل هذا القول، ينسحب بشكل آخر، على تأثر الثقافة الخليجية بالبعد الإنساني العالمي. فليس هناك مثقف خليجي لم يقرأ لديستويفسكي وتولوستوي، وفيكتور هيجو وتشارلز ديكنز وإرنست همنجواي وفولتير، وإميل برانتي وشارلوت برانتي...

وإذا كان هذا هو واقع حال التفاعل الثقافي بين دول الخليج والثقافة في البلدان العربية، فإن التفاعل بين بلدان الخليج العربي ذاتها، هو أعمق بكثير، بحيث أمسى صعباً في بعض الأحيان، تحديد سمة خاصة تشير إلى الجنسية الخليجية التي ينتمي لها الكاتب.

لنأخذ على سبيل المثال، شاعراً وكاتباً سعودياً معروفاً على مستوى الوطن العربي، الراحل الدكتور غازي القصيبي. لقد نشأ الشاعر وترعرع بالبحرين. أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة إلى الثانوية بالبحرين، وتحدث بلهجة أهلها. انتقل إلى القاهرة، والتحق بجامعة القاهرة، وأكمل تعليمه الجامعي. وتوجّه بعد ذلك للولايات المتحدة، لإنجاز دراساته العليا، في جامعة جنوب كاليفورنيا. عاد إلى المملكة، وتسلم وظائف عديدة، شملت المسؤولية عن إدارة مؤسسة سابك، ثم وزارتي الصناعة والصحة. كما شغل في فترة ما سفيراً في مملكة البحرين، البلد التي بدأ منها شق طريقه. ومثل الشاعر القصيبي هناك العشرات، إن لم يكن المئات من المواطنين الخليجيين، الذين عاشوا ظروفاً شبيهة.

وفي التاريخ المعاصر، شهد العالم تفاعلاً، في ثقافات الشعوب، أدى إلى بزوغ ما يمكن وصفه بعولمة الثقافة. وقد بلغ ذلك، في بعض المناطق التي وقعت تحت هيمنة الاستعمار الفرنسي، حد الانصهار، كما كان سائداً بالجزائر قبل الاستقلال، ولا يزال ذلك مستمراً في بعض البلدان الإفريقية. وقد نتج عنه ما صار يعرف بالفرنكفونية. والخليج العربي، شأنه شأن المجتمعات الإنسانية الأخرى، ليس عصيّاً على التفاعل مع المتغيرات الثقافية التي تجري في عالمنا المعاصر.

تأثرت الحركة الثقافية بالخليج، أيضاً بالأوضاع السياسية العربية. فهناك اهتمام دائم لدى الأدباء والكتاب الخليجيين، بالقضايا المصيرية العربية، والأحداث الملحمية التي أخذت مكانها في أرض الكنانة، بعد تأميم قناة السويس، وأيضاً بالعدوان الثلاثي على مصر. وقد تغنى شعراء الخليج بالانتصار السياسي الذي حققته مصر، في مواجهة العدوان، وتغنوا لاحقاً بالوحدة المصرية السورية. وكان للخليجيين إسهاماتهم الشعرية والأدبية، وفي القراءة والتحليل لأسباب نكسة الخامس من يونيو عام 1967.

المرحلة التي أعقبت معركة العبور، في السادس من أكتوبر عام 1973، شهدت الطفرة النفطية الأولى بالخليج، وفيها برز اعتداد لدى المثقف والكاتب الخليجي بانتمائه الوطني. وقد تميزت المرحلة الجديدة باتساع كبير في تشييد الجامعات والمعاهد الدراسية العليا، وإرسال عشرات الألوف من الطلاب للدراسة بالخارج. عاد هؤلاء الطلبة بعد تخرجهم إلى أوطانهم ليتسلموا مواقع ريادية فيها، وليكونوا في طليعة صناع القرار. لكن هذا التطور لم يغيّب مطلقاً إيمانهم بانتمائهم للغة الضاد، وأمة لها عمق التاريخ وعبقه.