آخر تحديث: 30 / 5 / 2024م - 4:14 م

أمةٌ لا تدخر أمةٌ لا تستثمر «3»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الشرق الأوسط

لا تتحقق“جودة الحياة”فقط من خلال السفرات والكشتتات، بل تتحقق كذلك من خلال الادخار. ومع الإقرار أن ثمة عوامل تؤثر على سلوك الأسرة الادخاري، منها دخل الأسرة وثروتها وتوقعاتها بشأن المستقبل وكذلك السياسة النقدية المتبعة «وبالتالي أسعار الفائدة»، كما سيأتي تناوله. ومع الإقرار كذلك أن معدل الادخار الأسري يتفاوت تفاوتاً كبيراً تبعاً لمستوى دخل ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة يتراوح معدل الادخار بين -2,5 بالمائة للأسر منخفضة الدخل، و3,7 بالمائة للأسر متوسطة الدخل، و14,2 بالمائة للأسر مرتفعة الدخل. ومع كل ذلك فالادخار مهم للفرد وللأسرة وللمجتمع وللحكومة وللاقتصاد؟

للفرد والأسرة؛ لأن للادخار تأثير إيجابي على: الأمان المالي للأسرة إجمالاً، وأمنها عند تقاعد رب الأسرة، ولتعليم وتدريب أفراد الأسرة، ولامتلاك الأسرة لمنزل، ولتحيّن الأسرة لفرص الاستثمار المواتية.

وفي حال السياسة النقدية الضيقة يكون العائد الاستثماري للنقد «الكاش» - بطبيعة الحال - يتحسن، نظراً لارتفاع معدل الفائدة على الودائع، ولاسيما قصيرة الأجل، مما يشجع المستهلكين على الادخار عوضاً عن الإنفاق. ولماذا تفضيل الودائع قصيرة الأجل؟ بسبب أن سعر الفائدة في ارتفاع، إذ من المتوقع أن يتواصل ارتفاعه لبقية العام 2023. وبالتأكيد لا يعني الادخار اكتناز الكاش تحت البلاطة، بل أن تستثمره، وهناك خيارات عدة لعل المفضل من بينها هو استثمار الكاش في منتج عالي السيولة، بما يحدّ من احتمال تبخر قوته الشرائية، وأبسط صورة أن تودع احتياجك الحالي للنقد في حسابك الجاري، وبقية السيولة في حساب التوفير، رغم أن البنوك“تعشق”الودائع المجانية، التي تحت الطلب.

وكذلك لا يعني امساكك للكاش ألا تستهلك، إذ لا مفر من الاستهلاك، لكن ادخر أولاً ولا تنفق دون تخطيط حتى لو كانت وجبة في مطعم! وحافظ على مستوى صرفك المعتاد ما دمت قادراً على الجمع بين ذلك وبين الادخار، أما إذا كنت تصرف كل دخلك، فعليك معالجة الأمر فل يعالجه لكَ أحد. يعني، إن كان - فَرَضاً - متوسط مصاريفك الشهرية 4000 ريال، فعدل في مصاريفك بما يحافظ على مستوى الانفاق دون زيادة إلا اضطراراً.

كما أن إمساك الكاش لا يعني ألا تستثمر، لكن استراتيجية الاستثمار وقت النمو واتساع السياسة النقدية «سعر فائدة منخفض» تختلف عنها نوعاً عن وقت التضخم وسياسة نقدية ضيقة «سعر فائدة مرتفع»، كما هو الوضع الآن؛ فالسياسة النقدية الضيقة، سميت ضيقة لأنها تُضيّق على السيولة فتجعلها شحيحة فيصبح الكاش عزيزاً تلاحقه البنوك وأصحاب الأصول. وإجمالاً، فإن ارتفاع سعر الفائدة يؤدي لتراجع قيمة الأصول ويجعلها“صيداً”لمن يملك السيولة.

وقاعدة امسك على الكاش تنطبق أيما انطباق على التجار وكبار المستثمرين، بسبب أن الأداء الاستثماري للنقد «الكاش» - بطبيعة الحال - يتحسن مع ارتفاع معدل الفائدة على الودائع، مما يدفع أرباب الأعمال والشركات إلى إيثار إيداع النقد الفائض في البنك على التوسع، طمعاً في عائدٍ مغري منخفض المجازفة، وفي نفس الوقت تحيّن الفرص لشراء الأصول المالية أو الحقيقية بأسعارٍ تفضيلية نظير الكاش الذي في أيديهم.

كيف يتأثر الاقتصاد في حال تفشي خيار“امسك على الكاش”عند الأفراد والأُسرّ والشركات؟ بإيجاز: مع تزايد الاتجاه نحو الادخار فيقل الاستهلاك، وتتجه الشركات للاستثمار في منتجات ثابتة العائد، فيقل ضخ الاستثمار في الأعمال وتوسعها، مما يحدّ من الضخ الاستثماري في الاقتصاد، ويحدّ بالتالي من نمو الناتج المحلي الإجمالي، باعتبار أن هدف السياسة النقدية الضيقة الحدّ من الطلب للحد من التضخم!

يتبع.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى