آخر تحديث: 18 / 7 / 2024م - 10:07 م

خواطر حول موضوع الهوية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

شغل موضوع الهوية الباحثين والمفكرين، وصدرت عشرات الدراسات حولها. ولا تزال هذه القضية تمثل إشكالاً كبيراً بالوطن العربي، وبشكل خاص في أوساط المكونات الاجتماعية التي تنحدر من أصول تتحدث بغير العربية. وقد أدت هذه الإشكالات في مرات عديدة، إلى اندلاع توترات وحروب، مثّلت، ولا تزال تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي.

ومن بين المواضيع الإشكالية في موضوع الهوية، علاقة العروبة بالإسلام، رغم أن العربية هي اللغة التي ظلت باستمرار، أداة انتشار العقيدة الإسلامية، في ربوع المعمورة. والعكس صحيح أيضاً، ذلك أن الدور الحضاري للعرب، ارتبط بالإسلام.

ومع ذلك، يظل التمييز قائماً وثابتاً بينهما، مع الإقرار بصعوبة الفصل التام بينهما.

إن أي محاولة للفصل بين العروبة والإسلام، في مناقشة موضوع الهوية، هي عملية تعسفية؛ لأن العرب أسّسوا حضارتهم على قاعدة التبشير بالدعوة إلى الدين الحنيف. وامتزجت الدعوة إلى مبادئه وتشريعاته بثقافتهم. ليس ذلك فحسب، بل إن الأقوام الذين دخلوا بثقافاتهم ومواريثهم إلى دار الإسلام من غير العرب، نقلوا بعضها إلى هذه الدار. ذلك يعني أن الهوية لم تكن في حالة ركود، بل كانت تتفاعل مع الواقع التاريخي والموضوعي الذي مرت به الحضارة العربية الإسلامية.

الهوية العربية، على هذا الأساس، هي نتاج مواريث وتقاليد تراكمت عبر حقب ممتدة، وهي أيضاً نتاج تفاعل الأمة مع واقع عالمي فوار ومتحرك، وردود فعل ذاتية، تجاه تغيرات محيطة، تمنحها صورة جديدة ومغايرة. فالهوية إذن نتاج التاريخ، ولأنها كذلك، فهي ليست شيئاً ساكناً؛ كونها نتاج حركة وتعاقب، ولذلك تتجدد، كما تتجدد اللغة والتقاليد والمواريث.

لقد مرت الهوية العربية، منذ تشكلها بمراحل عدة، منذ إرهاصاتها الجنينية، حين أدرك العرب، أن اجتماعهم الإنساني في جغرافية واحدة، قد نتج عنه تبلور لغة واحدة تجمعهم، من دون وجود كيان قانوني، يدير شؤونهم، قبل انبثاق رسالة الإسلام. ومع الصراع بين المناذرة والغساسنة في شمال الجزيرة العربية، بدأ يتشكل وعي خاص للعرب بانتمائهم إلى لغة وجماعة. وكانت القبيلة والنسب محورَين رئيسيَّين في صناعة الهوية والانتماء لها. وحين جاء الإسلام، أضيف إلى ذلك عنصر آخر، هو عنصر العقيدة.

مع بروز دولة الخلافة، ثم انتقالها إلى بلاد العراق والشام، تعزّزت المراكز الحضارية، وتراجع تأثير البنيان القبلي، لمصلحة الانتماء للكيان العربي الأوسع «دولة الخلافة العربية الإسلامية».

وإذا كانت الثقافة، هي الفعل الجماعي، للفنون والأعمال الفنية، كما هي أسلوب حياة الناس، فإن تراجع البنيان القبلي، لمصلحة الانتماء للكيان العربي، عكس نفسه على الحركة الثقافية والأدبية العربية. وبرز ما يقرب التحقيب والتصنيف لهذا التطور. فهناك شعر وأدب «جاهلي»، وهناك شعر وأدب أموي، وأدب وشعر عباسي. والذين كتبوا عن تلك المراحل المختلفة، لم يهتموا فقط بالتدوين والتأريخ، ولكنهم ركزوا على خصوصية كل مرحلة من تلك المراحل، من أمثال عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، والدكتور شوقي ضيف.. لقد أكدوا من خلال قراءاتهم لتلك المراحل، أن الهوية العربية، شأنها شأن الهويات بالأمم الأخرى، ليست راكدة، بل خاضعة للتطور التاريخي، وأنها من صناعته.

وهنا تحضرنا أطروحة أدونيس في «الثابت والمتحول»، ومشروع الجابري عن «العقل العربي»، فكلاهما من خلال التحقيب، عملا على رصد التحولات التي جرت في الثقافة العربية والأدب، وبالتالي في النظرة الخاصة لمفهوم الهوية.

وحين يأمل العرب، في الانتقال إلى عصر كوني جديد، يتماهى مع التحولات العلمية الكبرى، التي تجري من حولهم، فإنهم يطمحون في إحداث تجدد كبير وواسع في هويتهم. إن هذا التطور لن يكون حقيقياً، إلا بالانتقال من المجتمع التقليدي، إلى مجتمع التقانة، بما يجترحه من انتقال في البنى والهياكل الاجتماعية. وشرط هذا الانتقال هو وجود مشروع نهضوي، قادر على تحقيق هذه المهمة. وتلك مسألة أكدها التطور العالمي، منذ عصر الأنوار الأوروبي، حتى يومنا هذا.

ومن نافل القول، التأكيد على أن مشروع النهوض لن يكون واقعياً، إلا بتحقيق التكامل الاقتصادي والثقافي، بين البلدان العربية. ففي مرحلة الاقتصادات ذات الأبعاد الكبيرة، ليس بين البلدان العربية من يستطيع بمفرده تجشم هذه المهمة التاريخية. ولذلك لا مناص من تحقيق هذا التكامل. لقد تطورت الهوية العربية، بشكل أفقي على امتداد ساحة الأمة منذ اكتملت مرحلة التعريب، وقد حان لها أن يعاد لها ألقها وحضورها.